*نبيه بري: دهاء رجل الدولة وإسقاط مشاريع الوصاية*
*كتب الباحث السياسي جواد سلهب*
لم يكن الرئيس نبيه بري يوماً سياسياً عادياً في المشهد اللبناني، بل مثّل حالة خاصة في التاريخ السياسي الحديث، حيث امتزج الذكاء بالحنكة، والحوار بالصلابة، ليصوغ معادلات متجددة تحفظ التوازن الوطني وتفشل المشاريع التي تستهدف لبنان ومقاومته. وما جرى مؤخراً من إسقاطه لورقة براك لم يكن حدثاً معزولاً، بل استمرار لمسار طويل بدأ منذ مطلع الثمانينيات، ليؤكد أن الرجل لا يقرأ اللحظة بعين عابرة، بل يختزن في وعيه كامل التجربة اللبنانية بمدها وجزرها، ويعيد إنتاجها كلما استدعى الميدان ذلك.
منذ اتفاق 17 أيار 1983 الذي أراد تكريس الهيمنة الإسرائيلية على لبنان برعاية أميركية، كان نبيه بري على الضفة المناهضة للمشروع. رفض الاتفاق جهاراً، وحشد حركة أمل وقوى الاعتراض الوطني في مواجهة السلطة يومها، مدركاً أن التاريخ لن يرحم من يتساهل مع تثبيت الاحتلال في الدستور اللبناني. وحين جاءت انتفاضة 6 شباط 1984، كان بري في صدارة المشهد، يقود الحراك الشعبي والسياسي الذي أطاح بمعادلة البيت الأبيض في بيروت، ليكتب صفحة جديدة من التوازنات الداخلية ويثبت أن ذكاء اللحظة السياسية قد يحسم معارك تفشل فيها القوة المجردة.
هذا التاريخ لم يكن مجرد محطات منفصلة، بل شكل مدرسة متكاملة في إدارة الصراع. فالرئيس بري أجاد لعب الأدوار المركّبة: رجل دولة يفاوض، وقائد ميداني يعبّئ، وزعيم سياسي يعرف متى يتقدم ومتى يتراجع خطوة ليكسب المعركة الكبرى. لذلك لم يكن غريباً أن يعود المشهد ويتكرر مع محاولة براك استخدام الورقة اللبنانية في خدمة المشروع الإسرائيلي. هنا برز مجدداً دهاء بري، إذ استطاع أن يعطل تلك الورقة، ليس بالمواجهة المباشرة فحسب، بل عبر إعادة هندسة التوازنات الداخلية وربطها بالمعادلات الإقليمية والدولية، بحيث وجد براك نفسه مكشوفاً، وخسر رهانه كما خسر من سبقه.
التاريخ يعيد نفسه، ولكن مع فارق أن نبيه بري لا يكرر ذاته بصورة جامدة، بل يجدد أدواته ويكيفها مع المتغيرات. في كل مرة يحاول الخارج فرض تسوية مذلة أو خلق وقائع جديدة، يظهر بري بصفته رجل الدولة الذي يلعب بالجميع دون أن يسمح لأحد أن يلعب به. يترك خصومه يظنون أنهم يمسكون بزمام المبادرة، قبل أن يقلب الطاولة ببرودة أعصاب، ويعيد ترتيب الأوراق بما يخدم المصلحة الوطنية العليا ويحمي المقاومة كخيار استراتيجي.
إن تجربة الرئيس نبيه بري تثبت أن السياسة ليست مجرد شعارات أو ردود أفعال، بل هي فن إدارة الزمن والمعادلات. فمن 17 أيار إلى 6 شباط، ومن ورقة براك إلى استحقاقات اليوم، ظل بري حجر الزاوية الذي يدير اللعبة بحكمة ودهاء. ومع كل محطة تاريخية تتجدد صورة رجل الدولة الذي استطاع أن يلعب بهم جميعاً، لكنه بقي ثابتاً على بوصلة واحدة: حماية لبنان من السقوط في براثن الوصاية والتبعية، وصون المقاومة كعنوان لكرامة الوطن.


